خليل الصفدي
9
أعيان العصر وأعوان النصر
أماتته بغبنه غبنا ، وكانت بغير رأيه ؛ لأنه جهّز قطلوشا بالعساكر ؛ ليغير بهم على حلب والأطراف ، وأمره ألا يعدي حمص ، فلما جاء إلى البلاد وجد عساكرها قد تقهقرت قدّامه ، والبلاد خالية ، وليس للجيوش ولا للسلطان في الشام خبر ، فظن أن كسرتهم نوبة حمص ما بقي لها خبر ، فجاء إلى دمشق ، ومرّ على ظاهرها ، وجرّه الطمع إلى مصر ؛ لعله يملك لغازان مملكة الإسلام ، فأنجز اللّه وعده ، ونصر حزبه . ولما رجع قطلوشا شتمه وضربه ، وأوقفه يوما في الشمس ، وحملها غازان على نفسه ، فلم تتطاول به الأيام حتى مات . قال القاضي شهاب الدين : ولم يصح هذا ، وإنما هذا شيء ادعته يلقطو بنت أبغا « 1 » ، ومشت به إلى ملوك الإسلام ، وكانت تكاتبهم ، وادّعت أنها حسنت ذلك لبلغان خاتون ؛ لأن بلغان خاتون كان لها أرب فيه من هوى ، وكانت تخافه ، فقالت لها : أمرك ما بقي يخفى فعاجليه ، وإلا فروحك رائحة . قال الإربلي : وكان غازان له نظر في عواقب الأمور ، وخبرة تامة بتدبير الملك ، وكان يلتحق في أفعاله بجده الأكبر هولاكو ، ولم يكن فيه ما يشينه ، غير أنه كان مبخلا ، لكن كانت هيبته قوية ، وكان الرعايا في أيامه آمنين . قلت : وخطب له على منبر دمشق في يوم الجمعة الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستمائة بحضور المغل ، ودعي له على السدة ، وقرئ مرسوم بتولية قبجق نيابة دمشق ، وكان قد كتب غازان لأهل دمشق فرمانا بإشارة الأمير يوسف الدين قبجق ، ونسخته : « بقوة اللّه تعالى ليعلم أمراء التومانات والألوف والمئات ، وعموم عساكرنا من المغول والتتار والأرمن والكرج وغيرهم ، ممن هو داخل تحت طاعتنا أن اللّه - سبحانه وتعالى - لما نوّر قلوبنا بنور الإسلام ، وهدانا إلى ملة النبي عليه السلام أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الزمر : 22 ] ، ولما سمعنا أن حكّام مصر والشام خارجون على طرائق الدين ، غير متمثلين بأحكام الإسلام ، ناقضون لعهودهم ، مخالفون لمعبودهم ، حالفون بالأيمان الفاجرة ، ظالمون في أحكامهم المتغايرة ، ليس لديهم وفاء ولا ذمام ، ولا لأمورهم التئام ولا انتظام ، وكان أحدهم وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ
--> ( 1 ) ستأتي ترجمتها في موضعها .